محمد أبو زهرة
191
المعجزة الكبرى القرآن
مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) [ النحل : 112 ] . ففي هذا النص السامي تلاقينا عدة استعارات تبلغ أعلى درجات السمو البياني ، ولنأت من آخر النص الكريم فآخره كأوله في اجتذاب النفوس والعقول والمشاعر إلى معانيه ومبانيه ، أضاف اللباس إلى الجوع ، وفي ذلك تشبيه بالجوع من إضافة المشبه به على سبيل الاستعارة ، فالجوع القائم المستمكن الذي يعم فيه القل ويكثر العدم ، والخوف الذي يفزع النفوس ، ويذهب بالاطمئنان ، ويلقى بالاضطراب شبه باللباس السابغ ، لأن اللباس يعم ويكسو الجسم كله ، وكذلك الجوع إذا عم ، والخوف إذا طم ، فإنه لا يبقى في الجماعة أحدا لم ينله ، لأن الأزمات الجائحة ، والخوف من عدو داهم لا ينجو منه أحد ، فكان التعبير عن هذه الحالة باللباس ، وفوق ذلك فإن اللباس يلتصق بالجسم ويلازمه ولا يفارقه ، وكذلك الجوع والهم والغم والخوف ، وفي ذلك تصوير للأمة أو المدينة إذا عمها البؤس والشقاء وداهمها الخوف من كل ما يحيط بها . وهناك استعارة أخرى ، وهي قوله تعالى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ فإن اللباس يلبس ولا يذاق ، ولكن لباس الجوع والخوف لأنه يتصل بالنفس ، وبالنعمة تزول بعد أن كفروا بها ، عبر عنه بالذوق ، فشبه حال النزول بحال الإذاقة ، للنزول الذي ترتب عليه أن أحسوا بمرارة المذاق بعد أن كانوا في بحبوحة العيش ، فكان التعبير بأذاق أنسب لهذا المعنى . وهناك استعارة تمثيلية ثبتت من مجموع العبارات ، وهي تشبيه حال جماعة من الناس كانت مؤمنة مرزوقة فلما كفرت بالنعم فلم تقم بحقها ، ولم تؤد الطاعات ، ولم تنته عن المنهيات بحال قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها واسعا من كل مكان فجحدت نعمة اللّه تعالى فضاق رزقها ، وبدلت من الأمن خوفا ، ومن الرغد جوعا . 112 - ومن الأمثلة التي ساقها الرماني للاستعارة قوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] ، ، يقول في التعليق على هذا النص الكريم : أصل الاشتعال للنار وهو في هذا النص أبلغ ، وحقيقته كثرة شيب الرأس ، إلا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايدا سريعا ، صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار ، وله موقع في البلاغة عجيب ، وذلك أنه انتشر في الرأس انتشارا لا يتلافى كاشتعال النار . وإن هذا التعبير لم يكن معروفا عند العرب ، وذلك أنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار ، للسرعة ، وللبياض ، وللملازمة ، ولأنه ينتهى بتدمير ما تتصل به ، وتجعل حطامه ترابا .